شبكة المستشار اللغوي

التصوير القرآني يأخذ بمجامع القلوب

إرسال إلى صديق طباعة PDF

التصوير القرآني يأخذ بمجامع القلوب

أ.د. محمود بن يوسف فجال

إنّ للقرآنِ الكريم تصويراً خاصاً ، وحركةً سحرية تبهر العقول ، تضفي هذه الحركة على الكلمات المباركات صوراً وشخوصاً متحركة متجسدة ، تعطينا مشهداً ضخمًا كبيرًا بألفـاظ قليلة ، إنه روعة القرآن ، وسحر بلاغته ، وكمال نظمه .

فللقرآن أسلوب لا يقاربهُ أسلوب الفصحاء ، وله نهج خاص لا يطاوله نهج العرب في كلامها، بل لا يشابهه أيُّ نهج مهما سما في طبقات البلاغة ، وعلا في سماوات الفصاحة .

إنك حين تقرأ القرآن الكريم قراءة خشوع وتدبر ، وقراءة مستلهم للمعاني مع التأمل في الألفاظ والتراكيب تقف على مشاهدَ تبهرك ، وعلى لوحات تأخذ بمخيلتك كلَّ مأخذ إعجاباً وانبهاراً ، فتعيد تلاوتها وتكررها وأنت مشدودُ الانتباه .

أُجَلّي هذه الحقيقة بمثال واحد ، قال الله عزّ وجلّ : ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ( الأنفال : 5 - 6 ) .

المعنى : إنّ الله - تعالى - أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى المشركين ببدر أمراً موافقاً للمصلحة في حال كراهة فريقٍ من المؤمنين ذلك الخروج .

وقولُه - تعالى - : ﴿ بعدَ ما تبين ﴾ لومٌ لهم على المجادلـة في الخروج للنفير وترك العِير ، بعد ما ظَهَرَ أن اللهَ - تعالى - قدّر لهم النصر .

وقد أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله - تعالى - ناصرُهم على إحدى الطائفتين : طائفةِ العير، أو طائفة النفير ، فنصرُهم إذن مضمون ، ثم أخبرهم بأنّ العِير قد أخطأتْهم ، وقد بقي النفير ، ثم رأوا كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لماَّّ اختاروا العير ، فكان ذلك كافياً في اليقين .

وجملةُ ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ ﴾ حال من الضمير المرفوع في ﴿ يجادلونك ﴾ أي : حالتهم في وقت مجادلتهم إياك تشبه حالتهم لو ساقهم سائق إلى الموت ، والموت معنىً تكرهه النفوس ، ويصوِّره كلُّ عقل بما يتخيله من الفظاعة والبشاعة كما تَصَوَّرَهُ " أبو ذؤيب " في صورة سَبُع في قوله :

وإذا المنيةُ أنشبت أظفارَها      ألفيتَ كلَّ تميمة لا تنفـعُ

وجملةُ ﴿ وهم ينظرون﴾ حال من ضمير ( يساقون ) ، ومفعول ( ينظرون ) محذوف دل عليه قوله ( إلى الموت ) أي : وهم ينظرون إلى الموت .

لأنّ حالةَ الخوف من الشيء المخوف إذا كان منظوراً إليه تكون أشدَّ منها لو كان يعلم أنه يساق إليه ولا يَراه ، لأن للحس من التأثير على الإدراك ما ليس لمجرد التعقل ، وقريبٌ من هذا المعنى قول " جعفر بن عُلْبَةَ الحارثيّ " :

يَرَى غمراتِ الموت ثم يزورها

وفي عكسه من المسرة قوله - تعالى - : ﴿ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ . ( البقرة : 50 ) . انظر التحرير والتنوير 9/ 263 - 268 .

تأمل معي - أيها القارئ - هذا الأسلوب الذي يأخذ بمجامع القلوب ، وتتقاصر دونه أعناق الفحول .

تأمل قوله - تعالى - في تصوير حال فريق من المؤمنين استُكْرِهوا على الخروج لقتال قريش بعد مجادلتهم النبي صلى الله عليه وسلم في أمر ذلك الخروج ، وبيان وجهة نظرهم في ذلك .

فقوله - تعالى - : ﴿ كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ﴾ تصوير لحالة الرعب والفزع التي استولت على نفوس هذا الفريق .

ويكاد يكون هذا النظم لوحةً فنيةً معبرةً ، تصوّر اصفرار وجوههم ، وشخوصَ عيونهم .

إنها لوحة تصور سوق فريق إلى الموت تحت وطأة الخوف الشديد والرعب الداكن ، والهلع و الفزع من تخييم الموت على النفوس .

إنه تصوير رائع ، لا يمكن أن تقوم مقامه أيُّ عبارة من عبارات الفصحاء مهما سموا في البلاغة والفصاحة .

 

ارتكاز الفكر النحوي

Sample Images
صدور كتاب ارتكاز الفكر النحوي على الحديث والأثر في كتاب سيبويه لمؤلفه أ.د. محمود بن يوسف فجال أهدى فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمود فجّال المكتبة العربية كتابًا طالَ انتظاره ، أعاد فيه إلى الذاكرة ذلك التراث الخالد المتمثّل في كتاب إمام النحاة ( سيبويه ). المزيد
انت على هذا المسار : Home مقالاته التصوير القرآني يأخذ بمجامع القلوب