شبكة المستشار اللغوي

الأُنْسُ بقراءةِ القُرْآنِ هو الأُنْسُ الحَقيْقيُّ

إرسال إلى صديق طباعة PDF

الأُنْسُ بقراءةِ القُرْآنِ هو الأُنْسُ الحَقيْقيُّ

أ.د. محمود بن يوسف فجال

ينبغي على المسلمِ أن يكونَ أُنْسُه بتلاوة القرآن ، ففيها الأُنْس الدائم ، وبالقرآن راحةُ النفوسِ ، وبه تطمئنُ القلوبُ ؛ لذا عليه أن يحافظ على تلاوته ليلاً ونهاراً ، سفراً وحضراً .

وبتلاوة القرآن نزولُ السكينةِ والملائكة ، فهذا الصحابي الجليل « أُسَيْدُ ابن حُضَير » بينما هو يقرأ من الليل ( سورةَ البقرةِ ) وفَرَسُه مَرْبوط عنده ، إذ جالَتِ الفرسُ ، فَسَكَتَّ فَسَكَنَتِ الفرسُ ، ثمَّ قرأ فجالتِ الفَرسُ فانصرَفَ ، وكان ابنُه « يحيى » قريباً منها فأشفقَ أن تُصيبَه ، فلما اجْتَرَّهُ رَفَعَ رأسه إلى السماء حتى ما يراها ، فلما أَصْبحَ حدَّث النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال له : « اقْرَأْ يا ابنَ حُضَيرْ، اقرأ يا ابنَ حُضَيرْ » ، قال : فأشفَقْتُ يا رسولَ الله أن تَطَأَ « يحيى »  وكان منها قريباً ، فرفَعتُ رأسي فانْصَرَفْتُ إليه ، فرفعتُ رأسي إلى السماء ، فإذا مثلُ الظلة ، فيها أمثالُ المصابيح، فخرجتُ حتى لا أراها .

قال : « وتَدري ما ذاك ؟ » قال : لا .

قال : « تلك الملائكة دَنَت لِصْوتِكَ ، ولو قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ ينظرُ الناسُ إليها، لا تتوارى منهم » ( رواه البخاري )  .

الضمير في (اجتره) يعود على ولده ، أي : اجتر ولده من المكان الذي هو فيه حتى لا تطأه الفرس .

قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم : « اقرأ يا ابنَ حُضَيْر » أي : كان ينبغي أن تستمرَّ على قراءتك ، وكأنه صلى الله عليه وسلم استحضرَ صورةَ الحالِ فصار كأنه حاضرٌ عندَه لمَّا رأى ما رأى ، فكأنه يقول له : استمرَّ على قراءَتِكَ لتستمرَّ لك البركةُ بنُزولِ الملائكةِ واستماعِها لقراءتك .

وفهم « أُسَيْدٌ » ذلك فأجابَ بعُذْرِه في قَطْعِ القراءةِ ، وهو قوله : « خِفْتُ أن تطأَ يحيى » أي : خشيتُ إن تابعتُ القراءة أن تطأَ الفرسُ ولدي .

لقد كان « أُسيد » حسنَ الصوتِ ، فقد أوتيَ من مزامير آل داودَ مع خشوعه في صلاتِهِ ، لذا دنتِ الملائكةُ تستمعُ له .

فيُستفاد من الحديثِ أن تلاوة القرآنِ سببٌ لنُزولِ الرحمةِ وحضورِ الملائكةِ في الليلِ .

وفيه فَضْلُ قراءة سورة البقرة ، وفَضْلُ الخشوع في الصلاة .

وفيه أن التشاغلَ بشيء من أمورِ الدنيا ولو كان من المباح قد يُفِّوُت الخيرَ الكثيرَ ، فكيف لو كان بغير الأمرِ المباح . انظر « فتح الباري » ( كتاب فضائل القرآن ) .

لذلك كانت عنايةُ الأمةِ بالقرآن الكريم .

ولقد اعتنتْ أمةُ الإسلام بالقرآن الكريم عنايةً فائقةً ، وعظّمته التعظيمَ البالغَ، وما عُنيتْ بشيء عنايتها بحفظه وترتيله وتجويده .

لقد حُفِظَ في الصدور ، وصَدَحَتْ به الحناجر ، وعُمِرَتْ به المحاريب ، ونُوِّرتْ بتلاوته أرجاءُ الأرض ، وتغنَّى به الحزينُ في جوف الليل فكان له سلواناً .

وما زلَّ هذا القرآنُ مع مرّ الأيام ، وتعاقب الأزمان غضّاً طَرِيّاً كما أُنْزِلَ ،  محفوظاً بالحفظ الإلهيّ ، مصوناً بالعناية الربانية ، لو سَبَقَ لسانُ تالٍ فأخطأ فيه سهواً لانبرى له صغارُ القرّاء فضلاً عن كبارهم يردونه إلى الصواب ، ويُصَحِّحُونَ له ما انْزَلَقَ به اللسانُ .

أجل : إنه القرآنُ المجيدُ ، المحفوفُ بعناية الله - سبحانه - القائل : ﴿ إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لحافظون ﴾ ( الحجر : 9 ) .

ونحن الآن نلمس ونشاهد صحوةً قرآنيةً واسعة الأطراف ، ونرى نهضةً كبيرةً في إنشاء مدارسَ لتحفيظِ كتابِ الله - تعالى - في البلاد الإسلامية قاطبةً، وبخاصة هذه البلاد الطاهرة في المساجد ، والجامعات ، والمعاهد ، والإذاعات .

وما هذه المسابقة إلاَّ أثر من آثار ولاة الأمر في هذه المملكة المباركة .

فجزى اللهُ - تعالى - القائمينَ على رعايةِ هذا الكتابِ العزيزِ خيرَ الجزاءِ . وصَلَّى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسَلَّمَ ..

الرياض 24/1/1423هـ

 

ارتكاز الفكر النحوي

Sample Images
صدور كتاب ارتكاز الفكر النحوي على الحديث والأثر في كتاب سيبويه لمؤلفه أ.د. محمود بن يوسف فجال أهدى فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور محمود فجّال المكتبة العربية كتابًا طالَ انتظاره ، أعاد فيه إلى الذاكرة ذلك التراث الخالد المتمثّل في كتاب إمام النحاة ( سيبويه ). المزيد
انت على هذا المسار : Home مقالاته الأُنْسُ بقراءةِ القُرْآنِ هو الأُنْسُ الحَقيْقيُّ